محمد راغب الطباخ الحلبي

612

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

خداعهم ، بل أنذروا السلطان بلهجة شديدة بأن يحل وزارة الداماد فريد باشا حالا ، وإلا فإنهم زاحفون نحو الآستانة غير مكترثين بدولتي إنكلترة واليونان ويحتلون ساحل الأناضول ، وأعلموا بذلك للدول . فلم يسع السلطان إلا إجابة مطلبهم ، وحل وزارة الداماد وتشكلت الوزارة تحت رئاسة توفيق باشا الصدر الأسبق ، وعبثا حاول أن يقنعهم بالاعتدال والسكون والطاعة إلى السلطان ورجال الوزارة . ولما رأت الدول هذا العناد والثبات ولم يجدهم التهديد والتهويل نفعا ، وكانت الإنكليز تريد أن تسرع باستخلاص أسراها ، تساهلت نوعا في بعض الأمور ووعدت بأن تعدل قسما من معاهدة سيفر المشؤومة ، وكلفت الدولة العثمانية أن ترسل وفدا ثانيا إلى لوندرة ، فانتخبت الدولة الوفد تحت رئاسة توفيق باشا الصدر وخابرت بذلك القوى الملّية ، فلم ترض بهذا الوفد وأصرت أن يكون الوفد من طرفها لا من طرف الدولة . وهنا أشكل الأمر على الدولة وعلى الدول العظام . وبعد الأخذ والرد تقرر أن يرسل وفدان وفد من طرف الدولة ووفد من طرف القوى الملّية ، فذهب وفد الدولة تحت رئاسة توفيق باشا ووفد القوى الملّية تحت رئاسة بكري سامي بك والي بيروت وحلب الأسبق . فذهب الوفدان إلى لوندرة ، وهناك عقد الاجتماع ودعي كل من توفيق باشا ذلك الشيخ الكبير الهرم وبكر سامي بك ، فأصبح توفيق باشا على ما قيل يرتجف ولا يكاد يسمع صوته حينما يتكلم ، وأما بكر سامي بك فكان يدخل قاعة المجلس الحاوية لأعظم ساسة الدنيا متأبطا حقيبته بكل جرأة وعنفوان غير هياب ولا وجل ، وكان إذا تكلم يدوي صوته الجهوري في قاعة المجلس ويسرد من الأدلة الساطعة والحجج الدامغة ما يستلفت الأنظار ويستوقف الأفكار ويقضي بالعجاب . وبعد اجتماعات ومذاكرات دامت أياما لم يحصل المقصود تماما ، غير أنه قرر بادىء بدء أن يطلق سراح نيف وستين مسجونا من مسجوني مالطة في الحال ، وأكثرهم من غير الأمراء العسكريين ، لقاء أسرى الإنكليز الموجودين في الأناضول . ولا ريب أن هذه زلة من بكر سامي بك حيث وافق على إطلاق البعض دون البعض ، وكان الواجب عليه أن يصر على إطلاق الجميع مهما كلفه الأمر . ثم عاد الوفدان إلى